التشهير والتضليل قبل البراءة
قضايا “فارغة” صنعتها الداخلية برعاية إعلامها
من “عبدة الشيطان” إلى “التيك توك”
يتذكر عامر ذلك اليوم في فبراير 1997، حين حضر اجتماع العائلة لبحث أمر أصغر أعمامه، البالغ من العمر عشرين عاما، بعدما سرت بينهم قناعة بأنه “تابع لإبليس”، ولم لا؟ فالإعلام والداخلية آنذاك يروجان أن كل من يستمع إلى موسيقى البلاك ميتال ويرتدي الملابس السوداء هو عضو في تنظيم “عبدة الشيطان”، القضية الأشهر في التسعينات، أو كما نصفها اليوم بـ”ترند” من نوع خاص: قضية “فارغة” صنعتها وزارة الداخلية، وتحديدا مباحث أمن الدولة.
عامر – وهو اسم رمزي – انقطعت علاقته بعمه لسنوات، بعد أن فرضت والدته حظرا صارما على أي تواصل بينهما، خوفا من أن يتأثر ابنها الصغير بما تصفه بـ “الأفكار الشيطانية” لعمه. قضى العم سنوات تحت المراقبة ونبذ من العائلة، فما بالك بعشرات الشباب الذين قُبض عليهم في القضية نفسها، ولم تشفع لهم قرارات إخلاء السبيل، إذ كان التشهير قد تم بالفعل في الإعلام الذي نشر صورهم وبعض الأسماء وأعلن المجتمع الحكم، قبل أن ينطق القاضي بكلمة واحدة.
“عبدة الشيطان” لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة. على مدار السنوات، تكررت هذه النوعية من القضايا، التي تهبط فجأة من رف الداخلية أو تخرج من أدراجها، والاتهامات جاهزة: “الأخلاق – المجتمع – المؤامرة – الأعداء”، وأخيرا “غسيل الأموال”، قضايا ذات نمط ووصفة جاهزة، ويترتب عليها خوف مجتمعي -وربما يكون هذا هو المقصود.

الوصفة جاهزة
في هذه النوعية من القضايا، لا تحتاج الأجهزة الأمنية دائما إلى القضاء، فالإعلام المُقرب منها يتولى التشهير بالمتهمين، والحكم يصدر من الشارع. وفي النهاية وصمة جرم لا تُمحى، حتى إذا جاءت البراءة لاحقا.
النمط ثابت في تلك القضايا، بلاغ أو مداهمة مباغتة، اتهامات ثقيلة، حملة إعلامية تروج للرواية الرسمية، استدعاء خطاب المؤامرة الخارجية وتدمير القيم، ثم هدوء تدريجي بعد تحقيق الهدف.
هذه الحملات لا تستهدف مجموعة أفراد فحسب، بل ترسم ما يمكن اعتباره “حدود المسموح” للمجتمع كله. وتجهيز قوالب من الاتهامات يمكن إلصاقها بأي شخص، وإن لم يكن، فيمكن اللجوء إلى اتهامات جديدة أو قضايا أخرى.
ممنوع التضامن
ومن يفكر في الاقتراب من الدفاع عن المتهمين يصبح عرضة للاتهام أو التشويه، فتُبنى دائرة عزلة تمنع التضامن، فمن يجرؤ على الدفاع عن “اتباع للشيطان”، أو المطالبة بوقف التشهير بمن اتُهموا بـ”الفحشاء بين الرجال”، أو التعاطف مع فتاة يروج أنها تُصور مقاطع فيديو “شمال”؟.
في التحقق بالعربي FactCheckar نرصد نماذج لقضايا صنعتها الداخلية من العدم، انتهت إلى لا شيءـ من عبدة الشيطان في التسعينات، مرورا بحمام رمسيس في 2014، وصولا إلى فتيات تيك توك في 2020–2021، والتي تحولت لغسيل أموال، بدلا من مخالفة قيم الأسرة، ويبدو أن تهمة غسيل الأموال وجدت صدى لدى البعض، فظهرت مؤخرًا قضية غسيل الأموال لمؤثرين على تيك توك في 2025.

قضية عبدة الشيطان (1997)
انطلقت القصة من الإعلام المقرب من الأجهزة الأمنية، خاصة عبر الصحفي عبدالله كمال في روز اليوسف، كما توثق عدة تقارير على موقع المنصة ، وكما ظهر لنا البحث في أرشيف مكتبة الإسكندرية الإلكتروني.
ورغم أن تفاصيل القضية متاحة على المنصة، فإننا سنركز هنا على أبرز الملامح في تعامل الإعلام معها، وكيف نقل تحريات الداخلية، واستخدم عناوين بالغة الإثارة، وتعليقات لا تخلو من الغرابة.
على سبيل المثال
نشرت جريدة الوفد صورة لأحد المتهمين وهو يبتسم، وأرفقتها بتعليق:” نظرة شيطانية ومظهر شاذ” (وقد قمنا بتظليل الصورة).
جريدة المصور فأجرت حوارا مع أحد المتهمين، سأله فيه الصحفي عن سبب ارتدائه الملابس السوداء، ليرد المتهم بكل منطقية: “أنت أيضا ترتدي ملابس سوداء”.

من العناوين
انتهكوا المقابر وقاموا بتحريف القرآن والانجيل وحرقوا دور العبادة زعيمهم، خادم الشيطان، ومساعده الكاهن… ويشربون دماء الفئران!
أعضاء عبدة الشيطان عقدوا لقاءات مع اسرائي__يين على الحدود
واستمر الأمر على هذا الشكل في تغطيات أخرى وعناوين منها
تاجر ي__ودي يبيع الملابس السوداء ومطربة الجماعة طالبة بجامعة ٦ أكتوبر
الجمهورية مايكل جاكسون قدوتنا .. والدماء والم__درات حياتنا.
النتيجة:
لم تظهر أدلة مادية جدية، لكن الحملة الإعلامية لم تتوقف، وخرج المتهمون بلا إدانات قوية، لكن بأسماء مدمّرة وصورة ذهنية رسختهم كرموز للانحراف.
حمام رمسيس (2014)
في عام 2014، وفي ظل أجواء سياسية مرتبكة، اقتحمت قوة أمنية حماما شعبيا في وسط القاهرة، واعتقلت 33 رجلا فيما عُرف إعلاميا بـ”حمام باب البحر”، بتهمة “ممارسة الشذوذ الجماعي”.
عُرضت مقاطع مصورة خلال المداهمة، وصورا يمكن من خلالها التعرف على الأشخاص، في انتهاك واضح لخصوصيتهم وقرينة البراءة.
النتيجة: بعد كل هذا التشهير، انتهى الأمر بصدور حكم بالبراءة لجميع المتهمين.
المذيعة التي فجرت القضية حصلت هي الأخرى على البراءة، بعدما اعتبر القضاء أنها كانت تمارس “حقها في النشر”.

فتيات تيك توك (2020–2021)
مع صعود منصة تيك توك، برزت تيك توكرز أو مؤثرات، مثل حنين حسام ومودة الأدهم بمحتوى ترفيهي لاقى انتشارا واسعا، لكن فجأة تحول الأمر إلى قضية رأي عام،
مع اتهامات بـ”خدش الحياء” و”انتهاك قيم الأسرة”، ضخم الإعلام القضية، مستخدما مصطلحات ستصبح لاحقًا متداولة بكثرة، مثل “التعدي على قيم الأسرة”.
في يناير 2021، برأت المحكمة الاقتصادية حنين حسام ومودة الأدهم من تهمتي الاعتداء على القيم الأسرية وإنشاء وإدارة حسابات إلكترونية خاصة.

لكن، ووفقا لبيان Cairo Institute for Human Rights Studies (CIHRS) موقع من عدة منظمات حقوقية، أحالت النيابة العامة الفتاتين إلى محكمة الجنايات في قضية جديدة (رقم 4917 لسنة 2020 جنايات الساحل)، بسبب مقطع مصور اعتبرته النيابة اعتداء جديد، على قيم الأسرة المصرية وشكلا من أشكال التحريض على ممارسة الفحشاء. كما وجهت لهما النيابة تهمة الاتجار بالبشر، مدعيةً استغلالهما لطفلتين عبر تطبيق التواصل الاجتماعي لايكي.
ورغم صدور حكم بالإدانة في قضية أخرى، فإن أبرز التهم التي صاغت الحملة الإعلامية منذ البداية لم تثبت أمام المحكمة، ما دفع النيابة لتعديل الاتهامات.
وأشار تقرير Egyptian Initiative for Personal Rights – المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إلى افتقار الأدلة أو الشهادات لأي شيء يمكن وصفه قانونيًا بأنه استغلال جنسي للأطفال، بل وأكدت شهادات الأطفال وأولياء أمورهم أنهم هم من سعوا للتصوير مع حنين ومودة، ولم تبادر المتهمتان بذلك.

تيك توك (2025)
النسخة الأحدث: اتهامات غسيل أموال لمؤثرين على تيك توك
في أحدث نسخة من هذا النمط، ألقت الداخلية المصرية القبض على عدد من مؤثري تيك توك، واستجابت للبلاغات الكيدية المتداولة على مواقع التواصل، وتحولت الاتهامات من أمور اجتماعية وأخلاقية إلى غسيل أموال، ومخدرات رغم أن كثير من المقبوض عليهم كانوا يعلمون أن تحريض كبير يحدث ضدهم على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن، وبالمصادفة، عُثر بحوزتهم على مخدرات.
ورغم أن هذه التهم شديدة الحساسية، وتحتاج تحقيقات مفصلة وبيانات واضحة عن طبيعة الأموال، ومصادرها، وموقف الوكالات التابعة لتيك توك، فضلا عن تحديد ما إذا كانت الأموال المحصلة من المنصة ذات مصدر مشروع، وما إذا كان المؤثرون قد دفعوا الضرائب المستحقة، فإن الإعلام قرر التحرك على النهج نفسه.
استدعى القاموس نفسه، ونشرت بعض الجهات الإعلامية صورا للمتهمين بعد القبض عليهم دون تظليل (رغم أن وزارة الداخلية كانت تنشر الصور بتظليل)، وسط صمت تام من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام
، واستمر الأمر في التغطية التي تُظهر الاتهامات وكأنها أحكام قضائية، وتجاهلت وسائل الإعلام أن القضية ما زالت قيد التحقيق، ولم يصدر فيها حكم نهائي.
يأتي ذلك مع غياب لحق الرد، على بعض وسائل الإعلام، ومع تجاهل حقيقة أن اتهام تقديم محتوى مخالف لا يعني بالضرورة أن الأموال جاءت من نشاط غير قانوني.
الخلاصة
القضايا الأربع تكشف أن “الترند الأمني – الإعلامي” أداة لإعادة ضبط المجتمع، ترسم حدود المسموح، وتستخدم الإعلام كأداة ردع، والخطاب المؤامراتي كمبرر، والعزلة الاجتماعية كسلاح لكسر أي تضامن محتمل. أما البراءة المتأخرة أو تخفيف الأحكام، فلا يغير من النتيجة شيئًا: الأسماء مشوهة، والوصمة باقية، حتى إذا جاءت البراءة لاحقا
المصادر
أرشيف
——-
المنصة
الحمام
https://www.youm7.com/story/2015/1/6/اليوم-السابع-ينفرد-بنشر-نص-تحقيقات-النيابة-قى-قضية-شواذ/2016205
تيك توك 2020
